مفارقة انعكاس أسعار النفط في عصر جائحة كورونا

الأستاذ المساعد الدكتور
عمار محمود الربيعي
جامعة كربلاء / كلية الادارة والاقتصاد / قسم الاقتصاد
نيسان 2020

يتبادر الى الأذهان سؤال حول مدى قدرة التخفيض في انتاج النفط على رفع أسعاره في السوق الدولية, في ظل عدم التيقن الذي يخيم على الاقتصاد العالمي بفعل جائحة كورونا . كما أن تعقد خيوط سوق النفط يصب في ذات الاتجاه الضبابي بشأن التوقعات. إذ يتألف هذا السوق تقليدياً من مجموعة من المنتجين (جانب العرض) والمستهلكين (جانب الطلب). لكن هناك مجموعة كبيرة من الدول الصاعدة والمتقدمة المستهلكة دخلت حلبة الانتاج بفعل تكنولوجيا تطوير النفط غير التقليدي Unconventional Oil وهو نوع من النفط المستخلص من الصخور، أو يستخرج من أعماق سحيقة في مناطق صعبة جيولوجيا. وهذا الأمر رفع حدة التنافس بين المنتجين للتنافس على ضمان الحصص السوقية, وهو ما أدى الى تهاوي أسعار النفط بسبب تخمة المعروض وحرب المنتجين, أو ما يسمى بحرب الأسعارPrice War. وفي هذا السياق تتكون مجموعة أوبك للدول المصدرة للنفط مع مجموعة أخرى من الدول المصدرة للنفط من خارج المنظمة فيما اصطلح على تسميته في الأدب النفطي بأوبك بلس او اوبك+. وتتشكل هذه المجموعة الأخيرة من 23 بلداً (13 ضمن اوبك) و (10 دول ليست ضمن أوبك هي روسيا واذربيجان والبحرين وبروناي وكازاخستان وماليزيا والمكسيك وعمان والسودان وجنوب السودان). ونتيجة لذلك، بالإضافة الى بروز جائحة فايروس كورونا وتأثيره على طلب النفط الخام بالانخفاض، واللذان عملا معا باتجاه تخفيض كبير في سعر النفط تجاوز ثلثيه عن مستواه في الربع الاول من 2019، اجتمعت مجموعة دول أوبك+ في فينا في كانون الأول/ديسمبر 2019 وكان المطروح في أروقة الاجتماع هو العمل على اجراء تخفيض في الانتاج النفطي لدول المجموعة بمقدار 1.7 مليون ب/ي من أجل تدارك اتجاه الأسعار نحو النزول, وهو ما رفضته روسيا العضو المهم ضمن المجموعة مما أدى الى فشله، ومن هنا بدأت حرب شرسة بين روسيا والسعودية, من خلال لي الأذرع وإظهار كل طرف بأنه الأقدر على مواجهة الأسعار المنخفضة. وقد أثر ذلك على أرباح أسهم كبريات الشركات حول العالم وكذلك على هامش ربح النفط الصخري الأمريكي. وازاء هذا الوضع، ومع استمرار انتشار فايروس كورونا بمعدلات مضاعفة ضاغطاً باتجاه فعل المزيد من التخفيض في الطلب العالمي على النفط، تدخل الرئيس الامريكي دونالد ترامب وسيطاً بين روسيا والسعودية من أجل أن تتدارك أوبك + الوضع مرة أخرى. وبالفعل تم ذلك ، ففي 12 نيسان/أبريل من العام الجاري اجتمع ممثلو اوبك+ واتفقوا على تخفيض الانتاج بمقدار 10 مليون ب/ي، وقد رفضت المكسيك المقترح، ليصبح المقدار المخفض 9.7 مليون ب/ي، وفيما بعد اتفقت المكسيك مع الولايات المتحدة الامريكية على انها هي التي تتحمل التخفيض بدلاً من المكسيك بالفرق 300 الف ب/ي، وبالتالي عادت الكمية المتفق عليها أولاً لتكون هي المقدار الواجب تخفيضه. ويعد هذا التخفيض آلية عمل طويلة المدى نسبياً تمتد الى حدود سنتين، ويدخل حيز التنفيذ بدءاً من أيار/مايو 2020 . وحسب وكالة الطاقة الدولية IEAفانه يتوقع أن يسجل الطلب العالمي على النفط انخفاضاً بمقدار 9.3 مليون ب/ي خلال عام 2020 ، وعلى وجه الخصوص فأن الطلب سيكون أدنى بمقدار 23.1 مليون ب/ي في الربع الثاني من العام نفسه عن مستواه في العام الماضي . أما في النصف الثاني فأنه من الممكن أن يستعيد الطلب عافيته بشكل تدريجي الى أن يصل الانخفاض في كانون الأول/ ديسمبر 2.7 مليون ب/ي. فيما تواصل منظمة الصحة العالمية تسجيل الاصابات بشكل مستمر ومتصاعد، وبالرغم من أن بعض الدول تشهد معدلات نمو في الاصابة منخفضة، إلا أن الاتجاه العام الدولي مستمر في معدلاته المتصاعدة وتتأمل الكثير من الدول الموبوءة أن تصل الى مستوى الذروة قريباً لكي تجني ثمار الانخفاض تالياً. وفي هذا الإطار، تطفو الى السطح مشكلة متعلقة بعدم اليقين حيال أبعاد كورونا وتأثيراته مما يفضي الى ما يمكن أن نسميه بفخ سعر النفط Oil Price Trap والذي يمكن أن نوضحه كما في الشكل البياني الآتي:

فخ سعر النفط 2020 A الكمية المعروضة من
النفط الخام
B

C
D
أسعار النفط الخام

تم اعداد الشكل البياني من قبل الكاتب
إذ يتضح من الشكل المتقدم، ومن خلال جعل الكمية المعروضة متغيراً مستقلاً على المحور العمودي و الأسعار على المحور الأفقي متغيراً تابعاً من أجل توضيح المفارقة لفخ سعر النفط، أنه كلما انخفضت الكمية المعروضة من النفط (زادت أهميته النسبية) ارتفعت اسعاره. ويصدق هذا القول في الفترة التي سبقت تفشي وباء كورونا بشكل كارثي استناداً الى آليات سوق النفط في إطار المعالجة التقليدية لانحداره، أما خلال تفشي وباء كورونا والذي من المتوقع أن يستمر في شل الطلب العالمي على النفط خلال عام 2020 حتى في ظل انخفاض اسعاره وامتلاء طاقات الخزن وارتفاع اجورها، فإن تخفيض الانتاج سوف لن يترك اثراً مهماً في الأسعار باتجاه الارتفاع في مفارقة سعرية لم تحصل سابقاً بهذا الحجم والاتجاه, وهو ما يمثله الجزء BC من منحني السعر, مما يعني أنه من غير المنطقي التعويل بشكل كبير على اجراءات أوبك + في تخفيض المعروض النفطي في ظل وجود جائحة كورونا واحتمالية استمرارها على نحو أكثر قوة, من حيث التأثير وطول المسار الزمني. أما إذا صدقت التوقعات بشأن تحسن الأوضاع الصحية قبيل عام 2021 وخلالها وخف تأثير الجائحة فإن الجزء CD من منحني السعر يمكن أن يعمل ويجد أثره في سوق النفط .

مصادر المواقع التي تم الاستناد إليها في كتابة المقال:
1-وكالة الطاقة الدولية www.iea.org
2-منظمة الصحة العالمية www.who.org
3-منظمة الدول المصدرة للنفط-أوبك www.opec.org