أ.م.د. فراس حسين علي الصفار
جامعة كربلاء – مركز الدراسات الاستراتيجية
يعد تجمع حشود كبيرة من الناس في أوقات المناسبات والزيارات الدينية من أصعب عمليات
إدارة الحشود، نظراً لصعوبة وتعقيد عملية السيطرة على تلك الحشود، لاسيما انها تصادف في
أوقات محددة، تكون فيها أعداد الزائرين كبيرة جداً. ومن أجل ذلك لابد من التخطيط والتنظيم
والتنفيذ والتحكم بشكل سليم، من خلال تطبيقات إدارة الحشود، لتقليل الزحام والحوادث
والأمراض التي قد تصاحب تلك التجمعات البشرية.
اذ يمكن من خلال استراتيجية إدارة الحشود إيجاد بيئة آمنة وملائمة لإدارة الحشود مما
يسهل عملية أداء الزيارة والمناسك العبادية ومن ثم يصبح مكان تجمع الحشود مكانًا فعالاً قادراً
على تقدم أفضل التسهيلات الممكنة وتلافي أي حدث طارئ في الوقت المناسب.
من أجل تحقيق كل هذا، يجب على كل مدينة دينية تطوير استراتيجية شاملة لإدارة
الحشود، بما يلائم طبيعة الزيارة واعداد الوافدين لها لخلق بيئة مناسبة تستوعب اعداد الوافدين
وتشتمل هذه الاستراتيجية مجموعة من الخطط العملية التي تستند على معلومات سابقة عن
اعداد الزائرين بما يتعلق بالحشود وتحاكي توقعات اعدادها للسنة الحالية مع مرنة في حال
كانت الاعداد اكبر من المتوقع مع وضع خطط منظمة ومفصلة عن الحالات الطائرة المتوقعة
لاسيما في الجانب الطبي والأمني والخدمي وبالأخص نقل الوافدين الى داخل المدينة الدينية
والخروج منها بعد إتمام الزيارة لغرض السيطرة على الوافدين وتقديم افضل الخدمات لهم،
لتحقيق هذا الهدف يجب ان تنفيذ تقنيات إدارة الحشود بناء على تعليمات وخطوات مدروسة.
لنتأمل الوضع الذي تواجه مدينة كربلاء المقدسة في المناسبات الدينية المتعددة كزيارة
عرفه وزيارة العاشر من محرم الحرام واربعينية الامام الحسين (عليه السلام) ، اذ تشهد المدينة
توافد ملايين الزائرين من مختلف دول العالم فضلاُ عن الزائرين من محافظات القطر الأخرى
لأداء مراسيم الزيارة للامام الحسين (عليه السلام) واخيه أبا الفضل العباس (عليه السلام)،
والحال مشابه في المدن الدينية الأخرى. اذ تعاني المدينة من نقص واضح في الخدمات العامة
برغم الجهود الكبيرة التي تقوم بها الحكومة المركزية والحكومة المحلية والعتبات المقدسة في
مختلف جوانب القطاعات المختلفة ورغم اعداد المتطوعين من ابناء المحافظة والمحافظات
الأخرى التي تسعى لتقديم افضل الخدمات للزائرين الوافدين فضلا عن فتح اغلب دور
المواطنين في المحافظة لسكن واطعام الوافدين الا ان بزيادة اعداد الوافدين وقلة التنظيم نتيجة
عدم التنسيق العالي بين الجهات الحكومية والشعبية ينعكس على جودة الخدمات المقدمة مثلا
خلال الزيارة الأخيرة عانت المحافظة بشكل كبير من انقطاع مستمر في التيار الكهربائي في
مجموعة من المناطق في المحافظة نتيجة الضغط العالي على الشبكة المحلية وللتي تفوق
قدراتها رغم ان اغلب المناطق تشتمل على محولات جديدة وذات قدرات مناسبة الى ان زيادة
الوافدين بأكثر من المتوقع لاسيما في مركز المدينة القديمة كان له الأثر الشديد في تقديم
الخدمات المتعلقة بالكهرباء كما ان هناك مشكلة سوء تنظيم توزيع الطعام بسبب عدم التنسيق
بين الجهات الشعبية والمواكب الخدمية ما يولد فائض كبير او نقص شديد بين المناطق فتلاحظ
هناك هدر شديد في الطعام في أماكن خارج المدينة القديمة والعكس في داخل المدينة القديمة
(عدم وجود وفره بالطعام) برغم اعداد الوجبات الغذائية التي تقدمها العتبات المقدسة والمواكب
الخدمية داخل المدينة القديمة كبيرة الا انها لا تتمكن من سد النقص الحاصل في الطعام ، كما
ان الوضع الصحي للوافدين يحتاج عناية خاصة اذ ان النقص واضح في الخدمات الصحية
برغم جهود وزارة الصحة والحكومة المحلية والعتبات المقدسة من خلال المفارز المنتشرة في
عموم المحافظة وعلى طول الطرق المؤدية الى المحافظة الا انها لا تستطيع تلبية الاحتياجات
الصحية لاسيما الحالات الطارئ مع وجود العديد من المستشفيات المتنقلة والاسعافات الفورية
التي تتوفر باعداد جيدة نوعاً ما، وتعد مشكلة النقل هي المشكل الأساسية للزائرين والتي تعد
هي الاعقد برغم جهود الحكومة المحلية في توفير كراجات كبيرة وعلى مختلف محاور
المحافظة الا ان اعداد الزائرين دائماً بارتفاع مستمر وان اغلب الوافدين من خارج العراق
يستقرون في كربلاء لأكثر من أسبوع مع التوجه لزارة المراقد المقدسة لاسيما في النجف
الاشرف والكاظمية المقدسة وسامراء في أيام تواجدهم في كربلاء المقدسة أي ان الزائر الواحد
يتنقل من والى كربلاء لاكثر من مره واحدة ما يولد زخم وزحام شديد ورغم جهود العتبات في
توفير السيارات ووسائط النقل وجهود جميع الوزارات في العراق الا انها تبقى المشكلة
الأصعب رغم انها في تحسن كل سنة لكن لازالت مشكلة معقدة نوعا ما.
ويمكن ايجاز اهم ما يمكن تحسينه في مجال إدارة الحشود بالمناسبات الدينية في
محافظة كربلاء المقدسة بماياتي:
1- تتطلب إدارة الحشد جهود المسؤولين لتحديد التخطيط والتنظيم والتوجيه والتنسيق
والإشراف والتتبع والتقييم فيما بينهم لإدارة الحشد وتطبيقه لاسيما في المناسبات الدينية .
2- أهم شيء يفعله المخططون في إدارة الحشود هو تحديد وتقييم المخاطر المحتملة ، ووضع
الخطط لكل حدث محتمل وتأثيره ، ومحاولة منع حدوثه.
3- يتيح العمل الجماعي للأفراد اكتساب المزيد من الخبرة والقوة للتنسيق بينهم وتحديد
المسؤوليات والوظائف عند تنفيذ هذا النشاط. ومن ثم يسهل على الحكومة المحلية التنسيق
والسيطرة في عملية إدارة الحشود ، كما يختلف السلوك الفردي من شخص لآخر ، لذا فإن
دراسة السلوك الفردي يمكن أن تمنع السلوك العدواني الجماعي والسيطرة عليه والحد من آثاره
السلبية.
4- الالتزام باستخدام التكنولوجيا الحديثة المتمثلة بكاميرات المراقبة وأجهزة الاستشعار عن بعد
وغيرها من أنظمة المراقبة والمراقبة الحديثة لمراقبة الأفراد. وتحقيق افضل نتائج في إدارة
الحشود.
5- توفير دورات تطويرية حول إدارة الحشود تساهم في رفع الوعي العام لابناء المحافظة
والوافدين من داخل وخارج العراق للتعريف بأهمية الموضوع وتسليط الضوء حول
الاستراتيجية المحلية للمحافظة للتعامل مع الحشود بالوضع الطبيعي والوضع الطارئ .
6- إن إدارة الحشود في المناسبات الدينة لاسيما في محافظة كربلاء المقدسة تحتاج لتحقيق
التنظيم وتحديد الشروط والأمان، والعوامل السياسية والاجتماعية، واستخدام التطبيقات الحديثة.
أو الوسائل التقنية من خلال استخدام أحدث الطرق التكنولوجيا لتوضيح أفضل استراتيجية يمكن
استخدامها في الواقع العملي نظرا لأن الوضع الحالي في مدينة كربلاء المقدسة يحتاج
لاستراتيجية أكثر شمولية لإدارة الحشود في المدن المقدسة قبل واثناء الزيارة وبعدها بما يخلق
بيئة ملائمة من حيث الخدمات والامن والانسيابية للوافدين من داخل العراق وخارجه فضلاً عن
أبناء المحافظة.
7- مدى توفر التقنيات الحديثة والوسائل التكنلوجيا المتقدمة لإدارة الحشود بما يخدم السيطرة
والتنظيم والمرونة في التعامل مع الحشود بالإضافة إلى وجود تطبيقات الموبايل التي تحدد
أماكن السكن والطعام في المدينة القديمة والمحاور الثلاثة (بغداد والنجف وبابل) ، فإن أهمية
تقديم الخدمات للزائرين الكرام تتجلى من خلال توفير الراحة والانسيابية في الحركة وسهولة
الوصول للاماكن المقدسة وتحديد المواعيد للمواكب الحسينية في دخول الحرم الشريف وتحديد
مواقع الخدمات الصحية وغيرها .
8- يعد موضوع الخدمات من المواضيع المهمة لإدارة الحشود لاسيما توافر الماء الصالح
للشرب وخدمات الصرف الصحي والخدمات البلدية وغيرها من الأمور المهمة جداً والتي تم
السيطرة عليها خلال السنوات الأخيرة وان النقص فيها يكون وقتي وان الخطط الموضوعة لها
كانت تعالج أي خلل في هذه الخدمات لاسيما نقل النفايات الى أماكن محدده في المدينة القديمة
ومن ثم نقلها للاماكن المخصصة لها ، فيما عدا موضوع الكهرباء والذي يعد من المواضيع
المهمة ورغم استثناء المحافظة من القطع المبرمج للكهرباء الا ان الضغط على المحولات
الكهربائية في بعض مناطق المدينة القديمة كان له الأثر خلال السنة الأخيرة على تلك المناطق
المحدودة مقارنة بتوفرها وعدم انقطاعها في اغلب المناطق وتحتاج إدارة الكهرباء في المحافظة
تحديد تلك المناطق ومعالجتها بناءاً على بيانات السنة السابقة مع إضافة محولات إضافية او
توسعة حجم المحولات الحالية مع ضبط عملية التجاوز على الشبكة الوطنية اثناء فترة الزيارة
من خلال الربط دون موافقات الجهات المختصة اذ يؤدي هذا الامر لضرر بالوافدين فضلاَ عن
ضرر لأبناء المناطق تلك لانقطاع التيار الكهربائي نتيجة تلك التجاوزات وهو من الأمور المهم
التي يحب مراعاتها في المناسبات الدينية.
9- يعد موضوع توفير الطعام والسكن للزائرين من المواضيع المهمة ولا يعاني من نقص شديد
بل بالعكس هناك وفرة في اغلب مناطق المحافظة وقد يفوق اعداد الزائرين في بعض الأحيان
وان النقص فيه يكون محدود وفي مناطق قليلة جداً ولوقت قصير جداً اذ ان مرونة استجابة
أبناء المدينة تكون سريعة وتغطي أي نقص في اقرب وقت وهو ما يدل على الدور المهم
والمفصلي لابناء المحافظة وأبناء المحافظات الأخرى في توفير السكن والطعام، ونقرح تنظيم
هذا الموضوع من خلال توفير استراحات كبيرة على طول الطريق الى محافظة كربلاء
المقدسة ومن خلال المحاور المختلفة تحتوي على أماكن لتقديم الطعام تشترك بها مجموعة من
المواكب يتم التنسيق بينها لتلافي التبذير والنقص في الطعام وتحتوي ايضاً أماكن للاستراحة
ومجمعات صحية وخدمية فضلاً عن قاعات لنوم الزائرين ذات طابقين ومنعزلة النساء عن
الرجال فضلاً عن مفرزة طبية ، هذه المحطات ستكون مددة مسبقاً عن مواقع الGPS فضلاً
عن إمكانية استخدام تطبقات الهواتف لتحديد نوع الطعام واعداد الداخلين في محطة الزائرين
ومقدار الزخم في المحطة ليتسنى للزائر الدخول او التوجه الى المحطة الأخرى ويفضل ان تبعد
كل محطة عن الأخرى بمقدار 2 كم قابلة للتعديل بتقريب المسافة او بعدها بحسب الحاجة .
10- ان توفير كراجات كبيرة في محاور المحافظة الثلاثة (بغداد والنجف وبابل) من قبل
الحكومة المحلي كان له الأثر المهم في تقليل من الزحام الا انه لم يستطيع حل المشكلة المعقدة
للنقل رغم عدد الشوارع الجديدة و(طريق ياحسين) على مختلف المحاور الا ان مطلب انجاز
الدوارات الحلقية الثلاثة في المحافظة يمثل الحل القريب للمشكلة والاعتماد على القطارات
والمترو وافتتاح مطار كربلاء الدولى واستخدام التقنيات الحديثة بالنقل لاسيما توافر المحطات
في مختلف ارجاء المحافظة وتفعيل النقل الجماعي وتحديد أوقات الوصول والمغادرة في
المحطات يعد الحل الأمثل لمشكلة النقل، واستيعاب أي زيادة مفاجأ في الوافدين او الازدحام
الناتج عن تأخر وصول وسائل النقل المختلفة في محور من محاور نقل الزائرين.



