You are currently viewing المسؤولية القانونية عن التدهور البيئي في العراق ضمن إطار التشريعات الوطنية والالتزامات الدولية

المسؤولية القانونية عن التدهور البيئي في العراق ضمن إطار التشريعات الوطنية والالتزامات الدولية

م. د. سندس عمران محمد سعيد الطريحي
مركز الدراسات الاستراتيجية

تعدُّ البيئة أحد أهم مقومات الحياة المستقرة، والأمنة، وأساسًا جوهريًا لضمان صحة الإنسان، واستدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، ومع التقدم الصناعي المتسارع، وتفاقم الأزمات الاقتصادية، والسياسية، أصبح التدهور البيئي في العراق واقعًا ملموسًا يمسّ كل جوانب الحياة، من تلوث المياه، والهواء، إلى التصحر، وتراجع الغطاء النباتي، بل وتهديد الأمن الغذائي، والصحي، والسكاني، في آن واحد. ومع تصاعد هذه الظواهر، تبرز إشكالية محورية: من يتحمل المسؤولية القانونية عن هذا التدهور؟ هل المسؤولية تقع على الدولة لقصورها في الرقابة والتشريع؟ أم على الشركات والمؤسسات الصناعية الملوثة؟ أم أن للأفراد والمجتمع دورًا لا يمكن إغفاله في تفاقم الأزمة البيئية؟ إنَّ معالجة هذه الإشكالية تقتضي دراسة معمقة للإطار القانوني الناظم لحماية البيئة في العراق، وبيان مدى كفاءته في فرض المحاسبة، والمساءلة، على الجهات المسببة للضرر البيئي، فضلاً عن تحليل التزامات العراق الدولية في هذا المجال، والتحديات التي تحول دون تفعيلها على أرض الواقع. من هنا ينطلق نقاشنا، فالبيئة ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي واجب مشترك يتطلب إرادة سياسية، ووعيًا شعبيًا، وتشريعات فعَّالة تضمن حماية الأرض، والموارد، لصالح الأجيال القادمة، ولا بدَّ من الإجابة عن التساؤلات، منها: هل تمتلك الدولة الإطار القانوني الوطني، مدعومًا بالاتفاقيات الدولية، أدوات فعَّالة لمحاسبة الملوثين وردعهم؟ ويتفرع عن هذه الإشكالية عدد من الأسئلة الفرعية، منها: ما مدى شمولية التشريعات العراقية البيئية وكفاءتها في تحديد المسؤوليات؟ وكيف يتم توزيع المسؤولية القانونية بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع؟ وما دور الاتفاقيات الدولية في دعم نظام المحاسبة البيئية في العراق؟ وما أبرز التحديات القانونية التي تحول دون تطبيق قواعد المسؤولية البيئية بفاعلية؟ لذا جعلنا أهدافنا في تسليط الضوء على واقع التدهور البيئي في العراق، وتحديد مسؤولية الدولة، والأفراد، والمؤسسات، في تفاقم هذه الظاهرة، عن طريق تحليل الإطار القانوني الوطني، والالتزامات الدولية، واستعراض أبرز التحديات التي تعيق تطبيق القانون البيئي بشكل فعّال.
فاعتمدنا المنهج التحليلي للنصوص القانونية الدستورية، والتشريعية الأخرى، ذات العلاقة الوطنية، إذ تمَّ الاعتماد على تحليل الفكرة للموضوع، المسندة إلى النص القانوني المعالج، والموقف الفقهي المنصب عليها، مع التطرق إلى الالتزامات الدولية، والخاصة بمجال التدهور البيئي في العراق، فللبيئة أهمية في دعم التنمية المستدامة، وبيان كيف يشكل التلوث، والتصحر، ونقص المياه، وانقراض التنوع البيولوجي، تهديدات حقيقية لحياة الإنسان، واقتصاد الدولة. كما ناقش ضعف أدوات المساءلة القانونية، والقصور في تنفيذ القوانين، فضلًا عن غياب التنسيق المؤسسي، وتدني الوعي المجتمعي، وغياب العدالة البيئية. وعن طريق استعراض القوانين العراقية، والاتفاقيات الدولية التي انضم إليها العراق، تمَّ الوقوف على أبرز الثغرات القانونية، والمؤسساتية، إلى جانب دور القطاع الخاص، والمجتمع المدني، وأهمية تعزيز الوعي البيئي كجزء من الحل. فالمسؤولية لا تقتصر على إصلاح الأضرار، بل تتضمن أيضًا اتخاذ تدابير وقائية، والعدالة البيئية، إذ تتطلب عدم تحميل فئات معينة (خاصة الضعيفة اقتصاديًا)، تبعات التدهور البيئي. ونلاحظ أنَّ التنمية المستدامة تندمج فيها المسؤولية البيئية، ضمن أهدافها التي توازن بين الحاجات الاقتصادية، والبيئية. اعتمد الفقه القانوني عند تعريفه للبيئة على علماء البيولوجيات، والطبيعة، والذي يسمى بعلم الايكولوجي أو علم التنبؤ، فهو أحد فروع علم الأحياء، ويبحث في مدى قدرة النظم البيئية الطبيعية المختلفة، الماء، والهواء، والتراب، والكائنات الحية، على تحمل التغييرات السلبية الطارئة عليها(). ونجد القانون العراقي رقم (27) لسنة (2009)، قد عرف البيئة بأنَّها: “المحيط بجميع عناصره، التي تعيش فيه الكائنات الحية، والتأثيرات الناجمة عن نشاطات الإنسان الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية”(). ونلاحظ أنَّ المشرع العراقي قد أخذ بالاتجاه الموسع لمفهوم البيئة، بجمعه بين البيئة الطبيعية (المحيط بجميع عناصره)، والبيئة التي صنعها الإنسان بنشاطاته، ويحتاج العراق إلى استراتيجيات مستدامة تشمل التشريعات، والرقابة، والوعي البيئي، والتعاون الإقليمي، والدولي، للحد من هذه الأزمات(). أمَّا النطاق المفاهيمي للمسؤولية البيئية، فيعكس الالتزام الأخلاقي، والقانوني، بحماية البيئة. أمَّا النطاق القانوني، فيُترجم هذا الالتزام إلى قواعد، وأنظمة، تُنظّم العلاقة بين الأفراد، والدولة، والطبيعة، وتُحدّد الجزاءات المترتبة على من يُخلّ بهذا الواجب، فالقانون البيئي يتبنى عدة أنواع من المسؤولية، تختلف بحسب الجهة المتسببة بالضرر، وطبيعة الفعل، فقد تكون مسؤولية مدنية، أو عقدية، أو جنائية، أو إدارية، أو مسؤولية دولية، تحمّل الدول مسؤولية الاضرار العابرة للحدود، إذ تحكمها اتفاقيات دولية، مثل: اتفاقية بازل، واتفاقية باريس للمناخ. ويمكن القول: إنَّ الجريمة البيئية المؤدية للتدهور البيئي، تمثل اعتداءً على مكونات البيئة، ومواردها، وعناصرها، المختلفة، مما يؤثر في أنظمتها، والتوازن الطبيعي بين عناصرها التكوينية، ولهذا جاءت الاتفاقيات الدولية، والإقليمية، ببعض الآليات للحد من هذه الجريمة. فنلاحظ معظم التشريعات في بلادنا العربية، لم تتناول عناصر تكوينات البيئة تناولًا مباشرًا، بل تكون بصورة مجموعة تشريعات، لها صلة بشكل أو بآخر بالبيئة، وحتى لو تتناولها تكون وفق تصور ضيق لأنواع المؤثرات، وطبيعتها، على البيئة، أي إنَّ الصورة الكاملة لحالة البيئة، غائبة عن أذهان المشرع الجنائي البيئي العربي، مما جعل النصوص القانونية البيئية غير كافية، وغير ملائمة للحاجة التي يتطلبها العصر، لأنه يغيب عن هذه النصوص المعيار العلمي المرجعي، في تحديد المخالفات البيئية، فيتيح الفرصة للاجتهاد، ويخرجه عن مقاصده. فالمعروف أنَّ القانون الجنائي لا بدَّ أن يستند إلى نص قانوني واضح، لا لبس فيه ولا غموض. فقد عرَّف القانون العراقي الجريمة البيئية، في المادة (1ف7) من قانون البيئة، رقم (4) لسنة (1994)، وأكَّد على الاضرار فقط، وأغفل عن المسؤولية الإدارية، فالمسؤولية تتحقق بمجرد مخالفة الموظف العام للأنظمة، أو قصَّر في أداء واجبه، إذ لا تشترط وقوع ضرر، بل يكفي المخالفة للقواعد القانونية(). أمَّا مبادئ القانون البيئي، فتعدُّ الأساس الذي تبنى عليه التشريعات، والاتفاقيات الدولية، لحماية البيئة، وهي تساعد في توجيه السياسات، والقرارات البيئية، على مستوى الدول، والمنظمات، ومن أهمها (مبدأ الملوث يدفع- ومبدأ الوقاية- ومبدأ الانصاف)، وتعني تحقيق العدالة في توزيع الأعباء، والفوائد البيئية، سواء بين الأجيال من حيث حماية حقوق الأجيال القادمة في بيئة سليمة()، أي الانصاف الزمني، وبين الدول لاسيَّما الدول النامية، والمتضررة من أفعال الدول الصناعية (الانصاف الجغرافي)، وتهدف منع التميز البيئي، وتعزيز التضامن العالمي، والمسؤولية المشتركة، مثلًا تتحمل الدول الصناعية مسؤولية أكبر في الحد من الانبعاثات الكربونية، وتساعد الدول النامية في التكيف مع التغير المناخي. وتمَّ تطبيقها في اتفاقيات، مثل اتفاقيات باريس للمناخ، فمن أبرز التوصيات هي تحديث التشريعات البيئية، وتفعيل المساءلة القانونية، وإنشاء محاكم بيئية زراعية، وتمكين وزارة البيئة، وتعزيز الالتزام بالاتفاقيات الدولية، وتضمين مبادئ القانون البيئي الدولي بصورة صريحة في تشريعات الدولة، ونشر ثقافة الاستدامة بين المواطنين، والمؤسسات، مع فرض الغرامات المالية المتصاعدة على الجهات الملوثة.

الهوامش

1) بريكي عبد القادر، نظام المسؤولية عن التلوث النووي، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والسياسة، جامعة د. الطاهر مولاي-
سعيدة، الجزائر، 2016، ص11.
2) البند (الخامس) من المادة (1) من قانون حماية وتحسين البيئة العراقي رقم (27) لسنة 2009.
3) رشيد الحمد، محمد سعيد صباريني: البيئة ومشكلاتها، سلسلة عالم المعرفة، العدد (22)، الكويت،1990، ص24.
4) د. مؤيد جبار محمد، الضمانات الدولية والوطنية لمكافحة الجريمة البيئية (دراسة مقارنة)، جامعة ميسان -كلية القانون،
مجلة ميسان للدراسات القانونية المقارنة، ISS-2521-4675))
5) ورد في إعلان ريو 1992 (المبدأ 15) معمول به في قوانين البيئة الأوروبية بشدة.