احلال العمالة العراقية

اسم الكاتب (المؤلف) :
م.م. جُمانة جاسم الاسدي
الكلية:
كلية القانون

في البدء، يجدر بنا بيان معنى مصطلح احلال العمالة، وبعدها الخوض في غمار المشكلة التي يعانيها الشارع العراقي. إن معنى احلال العمالة هو ان يحل عامل مكان عامل آخر، فينتهي عمل الأخير بوجود البديل الافضل. ومما يلاحظ على أغلب قوانين الدول المتطورة والنامية منها، احلال العمالة الاجنبية وتسريحها بعد مدة محددة من الزمن بشكل نهائي، بعد الاستفادة من الخبرات والمهارات التي قد تكون متوفرة لديها ومنعدمة لدى العمالة الوطنية ، الا ان الامر جاء بنقيضه تماما في العراق ، فنجد ان القطاع الخاص والمختلط قد عملوا على تطبيق نظرية احلال العمالة العراقية بدلا من احلال الاجنبية الوافدة ، مما يعني زيادة عدد العمالة الوطنية العراقية العاطلة عن العمل والاستغناء عنها ببديل ادنى اجرا .
مما يعني بالضرورة ، زيادة نسبة البطالة و تعطيل الايدي العاملة العراقية و نقص حاد في الدخل اليومي ، الامر الذي يؤثر سلباً على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلد ، و لا تقف الاضرار لدى هذا الحد بل انها تمتد الى حدوث مشاكل اجتماعية متنوعة كنتيجة حتمية للحاجة المادية والتفرغ الوقتي الدائم وسوء السلوك بعض الاحيان ، كما انها من المؤثرات السياسية على تقبل نظام الحكم او الانقلاب عليه .
يذهب القطاع الخاص الى الاتجاه نحو التعاقد مع العمالة الاجنبية معللين ذلك الى ان الاجور المدفوعة لهم اقل من تلك التي تدفع للعامل العراقي ، وواقعا هي ليست اعلى من الحد الواجب اعطاءه لأداء عمل معين ، لكن ما يقبل به العامل الاجنبي هو ما يمثل مشكلة كبيرة ، فهم يقبلون بأقل الاجور مقابل اشد الاعمال بسبب انعدام فرص العمل في بلدانهم ، اما من حيث نقص الايدي العاملة فهذا السبب لا يتصور وجوده مطلقاً في بلد كالعراق فتي و اغلب مواطنيه هم من الفئة العمرية الشابة ، و لديه من الطاقات البشرية والعلمية والفنية والفكرية الكثير و الكثير حقيقةً .
على الرغم من محاولة السلطة التشريعية في العراق لتحجيم العمالة الاجنبية الوافدة وفرض العديد من الشروط على قدومها بشكل قانوني رسمي من اجل حماية العمالة العراقية الوطنية لان العمل في الدولة من حق مواطنيها دون الاجانب ، وقد يسمح للأخير بالعمل في العراق ضمن حدود وحالات استثنائية تقل فيها الايدي العاملة وضمن شروط ، ومن اهم هذه الشروط هو للحصول على اجازة العمل داخل العراق .
اراد المشرع العراقي ان يأخذ على عاتقه مراقبة وتنظيم دخول الاجانب الى العراق و العمل فيه وحسناً فعل ، فهو تارة يحمي العامل العراقي وتارة اخرى يحمي المجتمع العراقي ككل من الوافد الاجنبي الذي لا نعلم مقاصد قدومه الى البلد بشكل صريح ، فقام بالنص على وجوب استحصاله لإجازة عمل وفقا للمادة الاولى الفقرة ثالثاً من تعليمات ممارسة الاجانب العمل في العراق رقم 18 لسنة 1987 النافذة وكذلك المادة ثلاثون من قانون العمل رقم 37 لسنة 2015 المعدل ، تصدر هذه الاجازة من قبل وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بعد ان تثبت اقتضاء حاجة المحافظة او العاصمة للأيدي العاملة في عمل معين ، وبعد سلسلة اجراءات وموافقات من قبل دائرة العمل و الضمان الاجتماعي في بغداد او اقسامها في المحافظات ، وبعد تأييد الدوائر الامنية المختصة بعدم الممانعة من دخول الاجنبي واشتغاله في البلد ، حسب المادة الرابعة من التعليمات .
كما شدد المشرع ايضا على ضرورة الادلاء بتصريحات معينة بغية الحصول على اجازة العمل وعدم اعطاءها بشكل اعتباطي ، فقد نص في المادة السادسة من التعليمات السالفة الذكر على مجموعة من الشروط تتوقف على كون العامل الاجنبي في داخل او خارج العراق فقد ذكرت الفقرة الاولى من المادة الشروط المتعلقة بمن كان خارج العراق والذي يجب عليه ان يقدم طلب تحريري لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية عن طريق الممثليات العراقية في الخارج او وكيل رسمي في العراق ، يتضمن الطلب جميع المعلومات التي تتعلق بمؤهلاته وشهاداته ومستنداته الرسمية ونوع العمل واسم صاحب العمل وعنوانه ، وتتثبت دائرة العمل التابعة للوزارة من الشروط القانونية وحاجة السوق الفعلية لتصدر الموافقة على اصدار الاجازة… ، والفقرة الثانية من المادة ذاتها بمن كان داخل العراق والذي عليه ان يثبت اولا وقبل كل شيء دخوله الرسمي القانوني الشرعي للعراق عن طريق تقديم مستمسكاته القانونية ، وكذلك تقديم طلب تحريري لدائرة العمل التابعة للوزارة مشفوعة بالمستمسكات والمؤهلات وغيرها .
على الرغم من الملاحظات التي قد ترد على هذه المادة ، الا انها بالضرورة لو طبقت لحجمت العمالة الاجنبية كثيرا ، ولما رأينا تفشي البطالة لدى العمال العراقيين المعطلين قسرا عن العمل ، وهنا يأتي دور السلطة التنفيذية في بسط يدها وتفعيل هذه النصوص وغيرها من القوانين الحمائية لأجل اعتبارات وطنية .
الا ان الواقع يشير الى العكس من ذلك جملة وتفصيلا، فالقطاع الخاص ليس وحده من يشغل العمالة الاجنبية ويحلها محل العمالة الوطنية العراقية ، لا بل ان القطاعات العامة الرسمية تفعل ذلك ايضاً وتتعاقد مع عمال اجانب في عقود تشغيلية طويلة الامد ، وخاصة في القطاع النفطي!
تتضارب الأرقام الرسمية بشأن عدد العمال الأجانب الموجودين في العراق ، إذ قالت وزارة العمل العراقية في تصريحاً لها إن عددهم “4 آلاف عامل” فقط ، و “يعمل أغلبهم في التدبير المنزلي” بحسب مدير العمل والتدريب المهني في الوزارة ، فيما قال وزير العمل السابق باسم عبد الزمان في يوليو من عام 2019 : “إن عدد العمال الأجانب بلغ 750 ألفاُ” ، لكن بحسب آخر أرقام من جهة رسمية ، قالت لجنة العمل والشؤون الاجتماعية في البرلمان العراقي إن: “هناك نحو 1.5 مليون عامل أجنبي في العراق”!!!! هذه الارقام من الجهات الرسمية ، اما الوافدين غير الشرعيين فعلم اعدادهم عند الله وحده .
ووفقا لنائب عن اللجنة فإن: “معظمهم يعملون في الوزارات التي تدفع رواتب جيدة” ، وبحسبة بسيطة ، يتقاضى هؤلاء العمال معدل 500-1000 دولار في الشهر للعامل الواحد ، بمعنى أن هنالك مليار دولار شهريا تخرج من العراق كرواتب للعمال الأجانب بمقابل بطالة ابناء البلد وعوزهم ! .
ختاماً ، لا يسعنا بعد طرح المشكلة الا أن نقترح على السلطات التنفيذية المختصة في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ان تعمل جاهدة على تحجيم اعداد العمال الاجانب في العراق من خلال تفعيل النصوص سالفة الذكر بدقة عملية عالية وعدم السماح للعمال الأجانب الدخول للعراق الا للضرورة القصوى وفي الاعمال التي تتطلب مهارة وخبرة غير متوفرة لدى العامل العراقي ، في محاولة لإتاحة الفرصة للعامل العراقي للحصول على عمل في بلده ، فهو الاحق دستورياً من غيره وفقا لما نص عليه الدستور العراقي لعام 2005م في مادته 22 التي نصت على إن : “العمل حق لكل العراقيين بما يضمن لهم حياة كريمة” .