مشكلة كشمير: صراع إقليمي متجدد

ا. د عدي حاتم عبد الزهرة المفرجي
كلية التربية للعلوم الإنسانية – قسم التاريخ

يرجع أصل مشكلة كشمير (عرفت بهذا المصطلح في الأدبيات السياسية والتاريخية ) بعدما أبرم البرلمان البريطاني قانون الاستقلال في 18 تموز 1947 الذي نص على استقلال الهند وانشأ دولة جديدة باسم باكستان بما يأتي: (( تنشأ اعتباراً من 15 آب 1947 دولتان مستقلتان من طراز الدومنيونات في الهند تعرف أحداهما الهند والأخرى باكستان ولكل دولة حاكم عام يديرها بتعين من قبل الحكومة البريطانية , أما إقرار أمر الولايات والمقاطعات معلق لأنها كانت مستقلة داخليا في عهد البريطانيين ترتبط بعهود ومواثيق مختلفة مع البريطانيين وعددها (600) ولاية ومنها ولاية جامو وكشمير , وهذه المواثيق ملغاة من تاريخ تأسيس الدولتين ,وأمر التحاق هذه الولايات يكون حسب صلة جوارها وأكثر سكانها وارتباطها اقتصاديا)).أي ترتبط إما بالهند أو باكستان .
والطريقة القانونية لهذه الولايات هي الدخول في علاقات فيدرالية نص عليها ( قانون الهند ) لعام 1935و (قانون استقلال الهند ) لعام 1947وكلاهما ينص على أن الأساس القانوني لاستقلال الهند وباكستان حق انضمام أمارة وولاية إلى إحدى الدولتين بمقتضى إعلان يصدره حاكم الولاية أو الإمارة. وقد أقر هذا الأساس وأيده محمد علي جناح ممثل الحركة السياسية الباكستانية، وسانده الوفد الوزاري التابع للحكومة البريطانية والتي بدورها قدمت مذكرة إلى رئيس الأمراء في الهند يخص الإمارات الهندية في 22/ أيلول / 1946 وجاء فيه (( عندما تقوم في الهند البريطانية حكومة أو حكومات تتمتع إما بالحكم الذاتي أو الاستقلال الكامل فان حكومة صاحب الجلالة الملك لن تستخدم نفوذها في تلك الحكومات بحيث تجبرها على تنفيذ الالتزامات على حقوق السيادة التي تتمتع بها المملكة المتحدة كما أنها لا تكفل في استبقاء الجيوش البريطانية في الهند لهذا الغرض ولذلك فان حكومة جلالته تمشيا مع مقتضيات المنطق ورعاية للرغبات التي تقدمت اليها باسم الولايات الهندية (الإمارات) ستكف عن مالها من حقوق السيادة ومعنى هذا ان الحقوق تتمتع فيها الولايات المنبثقة من صلة الولايات في التاج لن تضل قائمة وان جميع الحقوق التي كانت قد تنازلت عنها في الأصل للسلطة صاحبة السيادة ستعود اليها وبذلك تنتهي الترتيبات السياسية القائمة في هذه الولايات من جانب وبين التاج البريطاني والهند البريطانية من جانب آخر , أما ما ينجم عن ذلك من فراغ فيملأ أما بدخول الولايات مع بعضها البعض في علاقة فيدرالية مع الحكومة او الحكومات التي تخلف السلطة صاحبة السيادة في الهند وأما إذا لم يتيسر تحقيق ذلك بعقد اتفاقية خاصة بين هذه الولايات وبين الحكومة او الحكومات التي تقوم في الهند )). وهذا الأمر يشير إلى ابتعاد الحكومة عن جوهر المشكلة ووضع إلية معينة لتلك الولايات ومنها (جامو وكشمير ) مثل الفيدرالية والاتفاقية المتبادلة التي لا تعد حلول كافية لمشكلة هذه الولايات .
حاولت باكستان ممارسة الضغط العسكري والاقتصادي والإعلامي حتى تجبر سكان ولاية جامو وكشمير على إعلان الانضمام اليها فكان الحصار الاقتصادي وذلك بمنع المواد الغذائية والوقود وغيرها من الوصول , ووضعت العراقيل في طريق المواصلات , و حالت دون انتقال الناس من جهة إلى أخرى،والضغط العسكري ومنها الغارات على حدودها , واخذ الرعايا المسلمة من باكستان يتسللون اليها من الجهات الباكستانية المتاخمة لها , ولم يحل شهر تشرين الأول 1947 حتى اخذ المغيرون من التسلل إلى جهات (ميربور) وكانوا مسلحين بأسلحة حديثة , وفي 15 تشرين الأول 1947بدأ الحصار على حصن (أوين ) واشترك في هذه العملية (5000) من المغيرين الباكستانيين ولم يكد ينقض يوم 22تشرين الأول 1947 حتى كانت هذه التسللات والغارات قد تحولت إلى هجوم عسكري شامل.
قام الكشميريون بتشكيل هيئات للمقاومة الشعبية لوقف تيار المغيرين من التغلغل في بلادهم ولكن المغيرين تمكنوا من الوصول في 29 تشرين الأول1947إلى نقطة لا تبعد عن (سرينكار ) إلا أربعة أميال ونصف وبالتالي هبت حكومة (جامو وكشمير)وعلى رأسها المهراجا إلى الاستنجاد بالحكومة الهندية برسالة عاجلة وملحة تطلب فيها قبول الانضمام إلى الهند وهنا اخذت مشكلة سياسية إقليمية اخذت بالظهور بشكل مؤثر، وقبلت حكومة الهند الرسالة والموافقة على الانضمام وبتأييد (مؤتمر كشمير الوطني )وتوقيع وثيقة الانضمام التي أصبحت بموجبها الهند من الناحية القانونية والدستورية ملزمة بالدفاع عنها فأرسلت قوات عسكرية إلى ولاية (جامو وكشمير).وهنا تأزمت المشكلة وتعمق التياران الإسلامي والقومي العلماني في حركة المقاومة الكشميرية بعد التقسيم (1947) وانقسمت الخريطة السياسية إلى أحزاب سياسية تنتهج وسائل المقاومة السياسية لتحقيق أهداف سياسية سواء كانت دينية او قومية . وجماعات جهادية عسكرية تؤمن باستخدام السلاح والعنف والتطرف، وكان لها دور في تعقيد المشكلة وإحداث صراع يظهر بين الحين والأخرى .
الأحزاب السياسية :
أ- (الأحزاب التي تؤيد الانضمام إلى الهند ) وهي أحزاب يغلب عليها الطابع القومي العلماني وتهدف إلى الانضمام إلى الهند وأهمها :
1-المؤتمر الكشميري القومي : يترأسه الدكتور( فاروق عبد الله ) ويؤمن بان كشمير جزء من الهند غير انه يطالب بحكم ذاتي واسع .
2-المؤتمر القومي الهندي :لا يختلف توجهاته عن المؤتمر القومي الكشميري؛ اذ ينادي بانضمام كشمير إلى الهند ويلاحظ على هذين الحزبين قلة الشعبية في كشمير .
ب- ( أحزاب مستقلة ) : وهي التي تنادي بالاستقلال وعدم الانضمام للهند وباكستان أهمها :
1-جبهة تحرير جامو وكشمير : ويترأسها السيد (ياسين ملك ) وأسست عام 1965 وتطالب هذه الجبهة باستقلال كشمير عن الهند وباكستان وأفرادها ينشطون على جانبي خط الهدنة ولها جناح عسكري يسمى جبهة التحرير يرأسه (رفيق دار )
2- المؤتمر الشعبي : ويرأسه السيد (عبد الغني لون ) ويطالب بالاستقلال عن كل من الهند وباكستان وله جناح عسكري يدعى (البرق ) يرأسه السيد (بلال رحيم ) ويتمتع هذا التيار بانخفاض الشعبية في كشمير .
3- الجبهة الشعبية الديمقراطية : يترأسها السيد (شير احمد شاه ) ويدعو هذا الحزب إلى الاستفتاء العام وبضرورة قبول نتيجته , وله جناح عسكري اسمه (مسلم جانباز فورس ) يقوده السيد (محمد عثمان ) وهو كسابقه لا يتمتع بشعبية .
ج – (الأحزاب التي تؤيد الانضمام لباكستان )وهي أحزاب تقوم برامجها السياسية على فكرة رئيسية مفادها الانضمام الى باكستان :
1- الجماعة الإسلامية : ويترأسها السيد (غلام محمد بت ) وتعتمد فضلا عن نشاطها السياسي التربية والتعليم للحفاظ على الهوية الإسلامية لشعب كشمير وابرز قادتها ( محمد علي الجيلاني ) .
2- مؤتمر مسلمي كشمير : أسس عام 1987ويتراسه عبد الغني بت ويهدف إلى تخليص كشمير ممن يطلق عليه الاحتلال الهندي والانضمام إلى باكستان.
3- حزب رابطة المجاهدين : ويترأسه السيد (نصرت عالم ) وله جناح عسكري ويدعى (حزب الله ) ويقوده السيد (اشتياق احمد ) ولا يتمتع بشعبية كبيرة في كشمير .
4- اللجنة الشعبية القومية : ويترأسها السيد مير واعظ عمر فاروق ) ولهذا الحزب شعبية في ( سيريجنار) وله جناح عسكري يسمى (عمر مجاهدين ) .
5- حركة تحرير جامو وكشمير : ويرأسها السيد (سعد الله تانتري ) ونشاطها في إقليم جامو .
6- جمعية اهل الحديث في كشمير : ويترأسها (مولانا طاهري ) وله جناح عسكري يسمى(تحريك المجاهدين )يرأسه الشيخ (عبد الله الغزالي ) والشيخ (جميل الرحمن )وعمله عسكري محدود
الجماعات المسلحة : وهي تكوينات سياسية انتهجت أسلوب المقاومة المسلحة بهدف التخلص مما تعده الاحتلال الهندي لكشمير وتسعى إلى الانضمام إلى باكستان ولا يوجد لأغلبها قواعد ثابتة في باكستان للتدريب والإدارة وأهمها :
1- حزب المجاهدين : أسس عام 1989 بقيادة السيد (صلاح الدين ) ويضم عشرة ألاف مسلح واغلبهم من الكشميريين .
2- جماعة معسكر طيبة : وهي جماعة سلفية جهادية أسست عام 1995 برئاسة البروفسور (حافظ سعيد ) وتضم اكثر من ستة ألاف مقاتل ويطلق عليها أحيانا (لشكر طيبة ) وبعد ان أدرجتها الولايات المتحدة ضمن قائمة الجماعات الإرهابية فانقسمت في داخلها إلى قسمين الأول : (دعوي ) بقيادة حافظ سعيد والثاني : (عسكري ) بقيادة عبد الواحد كشميري .
3- جيش محمد : يقوده مولانا ( محمد اظهر) الناشط السابق بحركة الأنصار وتظم ثلاثة الاف مقاتل وتنتهج نهج جمعية علماء الإسلام بزعامة مولانا (فضل الرحمن ) وأدرجتها الولايات المتحدة في قائمة الجماعات الإرهابية .
4- حركة الأنصار : أسست عام 1980 وانشقت إلى جناحين (حركة المجاهدين ) ويقوده مولانا فاروق كشميري وتضم ثلاثة ألاف مقاتل وتتبع توجهات مولانا عبد الرحمن وحركة الجهاد الإسلامية .
5- مجاهدي بدر : انشقت عن حزب المجاهدين التابع الى الجماعات الإسلامية ويقوده السيد (بخت زمين ) وتظم إلف مقاتل.
كانت الاعتداءات على البرلمان الهندي في 13 كانون الأول 2001فرصة للحكومة الهندية في استغلاله ورفع الطابع العسكري من جديد بحجة القضاء على القواعد الإرهابية ومستفيدة من المناخ العالمي للإرهاب في الحرب على أفغانستان 2002, وقام السياسيون الهنود بحملة دبلوماسية سياسية عالمية لا ظهار ان باكستان طرف متعدي , وتوقفت المصالح بينهما وتوقفت الرحلات بين البلدين , وتم تخفيض عدد موظفي السفارة الباكستانية في الهند الى 50% والغاء معاهدة المياه بين البلدين , وبشكل عام يمكن القول ان الدبلوماسية الهندية نجحت في معركتها السياسية مع الباكستان , اذ توافقت وجهات النظر الهندية – الأمريكية في ضرورة تشكيل منظومة أمنية في أفغانستان واسيا الوسطى وجنوب شرق أسيا واستمرار تدفق النفط ,فضلا عما يمكن ان يشكل هذا التوافق من تأثير على هيكلية الارتباطات الداخلية في باكستان وبخاصة الجماعات الإسلامية المتشددة.
وبخاصة بعد أن أخذ العالم يتغير في صراع جديد وشديد في حملة الولايات المتحدة الأمريكية في مكافحة الإرهاب وهي مسالة تصب في خدمة الهند في صراعها مع باكستان حول كشمير، والتي سوف تبقى مشكلة قائمة بين الدولتين الجارتين، وورقة من أوراق الصراع الدولي .
المصادر..
١..تشانكسيان،في مواجهة الحرب الباردة، مصر، ١٩٦٢.
٢..غي د وبشير، مفاتيح لأجل العالم الثالث، ترجمة، فؤاد راجي المراد، بيروت، ١٩٧٤.